جلال الدين السيوطي
317
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
ولكن كأنّه يكتبها ثم يخرجها إلينا بخطّه . قال ياقوت : وقال المرزبانيّ : قال لي ابن دريد : سقطت من منزلي بفارس ، فانكسرت ترقوتي ، فسهرت ليلتي ، فلما كان آخر الليل أغمضت عيني ، فرأيت رجلا طويلا أبيض أصفر الوجه كوسجا دخل عليّ ، وأخذ بعضادتي الباب ، وقال : أنشدني أحسن ما قلت في الخمر . فقلت : ما ترك أبو نواس لأحد شيئا . فقال : أنا أشعر منه . فقلت : ومن أنت : فقال : أبو ناجية من أهل الشام . وأنشدني : وحمراء قبل المزج صفراء بعده * بدت بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلّطوا * عليها مزاجا فاكتست لون عاشق فقلت له : أسأت . قال : ولم ؟ قلت : لأنّك قلت : وحمراء ، فقدمت الحمرة ، ثم قلت : بدت بين ثوبي نرجس وشقائق ، فقدمت الصفرة ، فهلّا قدمتها على الأخرى ؟ فقال : وما هذا الاستقصاء في هذا الوقت يا بغيض ؟ وقال ابن النجّار في تاريخه : أنبأنا عبد الوهاب الأمين عن محمد بن عبد الباقي الأنصاريّ ، قال : كتب إليّ أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعرّيّ حدثنا أبو القاسم المبارك بن عبد العزيز عن عبد الله بن خالويه حدثنا ابن دريد قال : سقطت عن حماري بفارس فبتّ وجعا ، فأتاني آت في منامي ، وقال لي : قل في الخمر شيئا . فقلت : وهل ترك أبو نواس لقائل مقالا ؟ قال : أنت أشعر منه حين تقول « 1 » : وحمراء قبل المزج صفراء بعده * بدت « 2 » بين ثوبي نرجس وشقائق حكت وجنة المعشوق صرفا فسلّطوا * عليها مزاجا فاكتست لون عاشق « 3 » فقلت : من أنت ؟ قال : أنا شيطانك أبو زاجية . فقلت : وأين تسكن ؟ قال : الموصل .
--> ( 1 ) ديوان ابن دريد : 52 . ( 2 ) في المصدر نفسه : أتت . انظر : 52 . ( 3 ) البيت في ديوان ابن دريد هو : حكت وجنة المعشوق قبل مزاجها * فلما مزجناها حكت خدّ عاشق